برهان الإنسان الكامل
مقدمة:
أسماء الله وصفاته متجلیة، ولذا يتطلب كل منها تجليًا وظهوراً . عوالم الوجود – كعالم العقل، والمثال، والطبيعة، وغيرها – كلٌّ منها، في حدود قدرته، مرآة وظهور لهذه الصفات. ومن بين الأسماء الإلهية، يُعدّ اسم “الله” اسمًا جامعًا، وبالتالي يتطلب ظهوراًجامعًا. ومن بينها، “الإنسان الكامل” هو مرآة اسم “الله” لما فيه من شمولية العقل والطبيعة. بما أن اسم الله الأعظم هو خليفة ووسيط النعمة الإلهية للأسماء والصفات الأخرى، فإن الإنسان الكامل – الذي هو تجلّي هذا الاسم – له مكانة الخلافة والإمامة. 1
1. ما هو الإنسان الكامل؟
الإنسان الكامل مصطلح يُستخدم في التصوف العملي والنظري. 2 لم يكن هذا المصطلح موجودًا في الأدب الإسلامي حتى القرن السابع الهجري، وكان محيي الدين العربي هو أول من استخدم مصطلح “الإنسان الكامل” في سياق الحديث عن الإنسان 3 .لهذا الإنسان الكامل أسماء عديدة؛ فيُطلق عليه أحيانًا القائد، والمرشد، والشيخ، ووالحجة، الامام، وأحيانًا يُطلق عليه أحيانًا العالم ، والمهدي، و، وإمام الزمان. وفي بعض الحالات، يُوصف بالحكيم، والناضج، والكامل، والفاضل، والمتفوق، وفي حالات أخرى، يُطلق عليه إمام، وخليفة، ، وصاحب الزمان. ربما يُطلق عليه مرآة الوجود، أو مرآة العالم، أو الترياق العظيم، أو الإكسير العظيم، أو يُمنح ألقابًا مثل عيسى، أو الخضر، أو سليمان، وما إلى ذلك. 4 مع أن مصطلح “الإنسان الكامل” لا يرد في القرآن أو الأحاديث النبوية، إلا أن أصله، كغيره من المصطلحات العرفانیة، يعود إلى القرآن والأحاديث. ومن آياته: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ4» ،«وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي5» ، «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً6» و… تتحدث عن الإنسان كنموذج إلهي يمتد وجوده من العرش إلى السجادة. 1 ربما لا يمكن إعطاء تعريف واحد لهذا المصطلح، ولكن يمكننا إعطاء تعريف عام له ونقول: الإنسان الكامل هو الإنسان الذي خُلق بأخلاق إلهية، وهو السبب النهائي للخلق، وسبب بقاء الكون، والتجلي الشامل للأسماء الإلهية، والوسيط بين الخالق والمخلوق، ووسيط النعمة الإلهية، وخليفة الله الوحيد في الأرض. وهو بالتأكيد على دراية بالطريق والقانون والحق، وهو هادي البشر ظاهرًا وباطنًا. 2
2. إثبات وجود المهدي الأقدس من خلال هذه الحجة:
الصغری: نموذج النبي والإمام هو الإنسان الكامل.
الکبری: الإنسان الكامل ضروري.
الناتج: نوع النبي والإمام ضروری الوجود .
3. شرح المسألة الصغرى:
لإثبات وحدة حقيقتي “الإنسان الكامل” و”القائد الإلهي” (بما في ذلك النبي والرسول وخلفائهما)، يجب أولًا تحديد سمات وواجبات وخصائص القادة الإلهيين في ضوء القرآن والأحاديث، ثم دراسة سمات الإنسان الكامل وواجباته وخصائصه من خلال دراسة النصوص الصوفية والحكمة المتعالية، وذلك لتوضيح ما إذا كانت هاتان الحقيقتان كيانًا واحدًا أم كيانين منفصلين. 3
أ) صفات وخصائص القادة الإلهيين في القرآن:
- تحديدهم واختيارهم وتقديمهم من مسؤولية الله. 4
- هم معصومون 5
- يوجد واحد منهم دائمًا على الأرض. 6
- هم عباد الله المخلصون. 7
- هم یحیطون بكل شيء. 8
- يقومون بأمور خارقة وعجيبة. 1
- لديهم علم وإدراك عظيمان. 2
- لديهم علم الغيب. 3
- لا خوف علیهم ولا هم یحزنون 4
- هم على يقين تام. 5
ب) صفات وخصائص القادة الإلهيين في الروايات:
- هم في مكانة عالية جدًا في نظام الوجود6 .
- لا يمكن فهم مكانتهم إلا من قبل الله وأوليائه. 7
- الأرض وعالم الخلق لا يخلو من وجودهم. 8
- اما ظاهرون ومعروفون، واما غائبون مغمورون . 9
- كُلِّفوا بإنقاذ الناس واعتقالهم وهدايتهم. 10
- هم مسؤولون عن التوقيع و تطبيق الحدود والأحكام الإلهية. 11
ج) سمات وخصائص الإنسان الكامل في الثقافة العرفان:
- يتمتع بمكانة مميزة.
- لا يخلو العالم من وجوده.
- يمتلك زمام الخلق.
- يدرك ما لا يُرى.
- لا يعرف الخوف.
- يدرك الأسرار الخفية.
- هو عالمٌ لا يحتاج إلى معلم. 12
د) سمات وخصائص الإنسان الكامل في الحكمة المتعالية
- يكون أحيانًا واضحًا ومشهورًا، وأحيانًا أخرى خفيًا.
- لا يخلو العالم من وجوده.
- يمتلك زمام الخليقة.
- لا يحتاج إلى معلم، ويتمتع بمعرفة ووعي عظيمين.
- مُكلف بإنقاذ الناس وهدايتهم.
- مسؤول عن إدارة المجتمع. 1
يتضح مما سبق أن مفهومي “القائد الإلهي” و”الإنسان الكامل” يشيران إلى حقيقة واحدة وأن تشابه وتوافق القضايا الجوهرية للإنسان الكامل مع الحماية والإمامة يدل على وحدة الأساس والأصل، ويشير إلى أن منبع هذين النهرين ورافده واحد، على الرغم من وجود نقاط اختلاف وخصائص فريدة لكل منهما. 2
4. بیان الکبری:
يوضح التشبيه التالي ضرورة وجود الإنسان الكامل:
الصغری: الإنسان الكامل هو غاية خلق الله وهدفه. (لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يخلق مخلوقًا وضيعًا (أي أنه لا يعتبره غايةً وهدفًا لأفعاله)، وإلا لما كان الله سبحانه وتعالى. 3
الکبری: إنّ غاية خلق الله وهدفه أمرٌ ضروري. (لأنّ العمل العبثي دليلٌ على النقص ومنافٍ للحكمة، والله منزّهٌ عن ذلك. 4
الناتج: وجود الإنسان الكامل ضروري.
5. الإنسان الكامل في عصرنا، المهدي عجل الله تعالی فرجه :
إنّ التفسير المذكور آنفًا لإثبات هذا التشبيه البسيط، نظرًا لارتباطه بالروايات، يُقدّم أمثلةً على الرجال الكاملين، بمن فيهم الأئمة، ويُبيّن ضرورة وجودهم في كلّ العصور. وبالتأكيد على هذه النقطة، وبالنظر إلى الکبری المذكورة آنفًا، ومع الأخذ في الاعتبار أنّه في عصرنا هذا، من بين الأئمة، لم يبقَ سوى المهدي رضي الله عنه، فلا مجال للشكّ في أنّ الإنسان الكامل في عصرنا هو كائنه المقدس الوحيد.
مصادر:
- القرآن الكريم.
- ابن بابويه، محمد بن علي، كمال الدين، تمام النعمة، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري، طهران، دار الاسلاميه للنشر، ج. 2، 1395هـ.
- دادجو، يد الله، “الإمامة في مرآة الرجل الكامل”، ربعية انتظار مود، السنة التاسعة، المجلد الأول. 30، ص 27-43، 1388هـ.
- شريف الراضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، تحقيق وتصحيح صبحي صالح، قم، دار الهجرة، ١٤١٤هـ.
- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، تحقيق وتصحيح علي أكبر الغفاري ومحمد أخوندي، طهران، دار الكتب الإسلامية، ج ٤. 4، 1407هـ.
- لطيفي، رحيم، الأدلة العقلية والتقليدية على الإمامة والمهودية، قم، المؤسسة الثقافية للمهدي الموعود، 7، 1387.
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، دار إحياء الترحت العربي، المجلد الأول. 2، 1403هـ.
- مطهري، مرتضى، مجموعة مؤلفات الاستاذ شهيد مطهري، طهران، منشورات صدرا، المجلد الثاني. 5، 1388.
- نادر علي، سيد عادل، شرح المصطلحات العرفانیة، قم، منشورات آية إشراق، ١٣٩٧.


أضف تعليق